الحمير.. والطاقة الشمسية 

 

.. بعد أن أوقفت المملكة ضخ النفط السعودي إلى أمريكا بمبادرة جلالة الملك فيصل -رحمه الله- دعماً للجيش المصري والسوري.. خلال أحداث ((حرب أكتوبر)) عام 1973 في موقف شجاع وجريء أكد الحلف الإستراتيجي الذي تبنته المملكة في مسار المجهود ((الحربي)) الذي تقوم به الدول العربية المواجهة لإسرائيل.. والذي نتج عنه دخول كل ولايات أمريكا في أزمة حقيقية.. شاهد خلالها ((العالم أجمع)) أرتال السيارات في محطات ((البنزين)) وانقطاع ((شريان الحياة)) والعمل في كثير من المرافق والصناعات التي تعتمد على إمدادات النفط السعودي لأمريكا.

بعد هذا أخذ العالم يتحدث ((بجدية)) عن ضرورة إيجاد بديل أو ((بدائل)) للنفط.. وتم رصد الأموال لدعم الدراسات والتجارب التي تعمل في هذا الاتجاه. غير أن الأمر بدا لنا نحن العرب أمراً ساخراً.. وظهرت أعمال فنية كوميدية مبنية على فكرة ((نضوب)) النفط.. كان أشهرها في دولة الكويت من خلال عرض مسرحية بعنوان ((الكويت سنة 2000)) لم تستمر طويلاً ولم تجد النجاح والصدى المناسبين. من ناحيتي -أنا- دخلت لعبة ((السخرية)) من خلال ((الحمير)) و((البغال)) مستلهماً مشاهد من ((حونشية)) أهل مكة المكرمة الذين كانوا يتنقلون في شوارع مكة بين أرتال السيارات متنقلين على ((الحمير)) التي يتفننون في تزيينها بـ((السروج)) و((الدناديش)) و((الأجراس)) الصغيرة التي تحذر المارة.. هذا طبعاً قبل أن تنتشر ((الدبابات)) أو الموتر سايكل الذي أصبح ((حمار)) ذلك العصر بامتياز.

كتبت فصلاً من مسرحية كوميدية لم تكتمل ولم تنشر لكن أوراقها المكتوبة بقيت مع دفاتر الروايات التي كتبتها فيما بعد ولم تنشر أيضاً. وكان الفصل المكتوب الذي يقول بنضوب النفط وتوقف ((مواطير)) شركة كهرباء ((الجفالي)) التي تلاصق بيوت ((جبل الحبالى)) حارتنا.. كمؤشر على النهاية التي يبدأ بعدها عصر ((الحمير والبغال)) حيث يعاد الاعتبار لها والعناية بها كوسيلة مواصلات وحيدة يحسد راكبيها أصحاب أرقى أنواع السيارات.

هذه الذكرى عادت بى إلى مشهد في شارع ((المنيل)) في القاهرة في منتصف التسعينيات حيث كنا نرى أحد الصعايدة يخترق الشارع على ظهر ((جمل)) يركض بمهارة بين صفوف السيارات ويتقدمها باتجاه كبري الجامعة بسرعة قياسية.. وهو نفس ((الجمل)) الذي استلهمه الفنان التشكيلي الصديق عادل السيوى وجسده في كثير من أعمال ((الحبر الشيني)) التي أنتجها في تلك المرحلة.. وفيما كنا نسخر كان كثيرون من الخبراء والمختصين يقدمون بدائل النفط من خلال الشركات التي تبنت مشاريعهم والتي كان أنجحها وأبرزها فكرة استثمار ((الطاقة الشمسية)) والتي وصل نجاحها إلى استثمارها في المنازل والعمارات.. ولا بد لك أن تراها في مختلف أنحاء دولة مثل أستراليا ذات مساحات شاسعة يصعب إمدادها بالطاقة الكهربائية بالطرق التقليدية الأمر الذي دفع سكانها ومزارعيها للاعتماد على ((ألواح)) الطاقة الشمسية لإنتاج الكهرباء.. وهي الآن محور أساسي في تجارب شركات السيارات الكهربائية التي هي ماضية في إنتاجها بالطاقة الكهربائية التي تضمن استمرار سيرها دون توقف عبر المدن الألمانية.

غير أن كل البدائل المقترحة والتي تمت تجربتها والتي ما زالت قيد البحث.. هي أكثر الأشياء الحيوية للموت في مهدها.. لأنها تضر بمصالح قوة مالية كبيرة.. وهو الأمر الذي يحتم علينا التفكير جيداً قبل وضع أي بادرة تطوير موضع التنفيذ.. لأن الأمر يتطلب عقد اجتماعات مطولة مع القوى المالية التي سوف تتضرر وتسعى لخوض حرب شرسة ضد أي بادرة تطوير.. تتم دون بحث إمكانية مشاركتها - أو عدم عزلها داخل السوق بقطع نهر المال الذي يجري إلى خزائن أصحابها وشركاتهم.

 

 

 

www.al-jazirah.com/2017/20170306/ln38.htm