أول الكلام..!

 

 

.. تتلاشى اللغة في الموسيقى وينتهي الكلام.

ربما لأن الموسيقى هي بداية الكلام ومنتهاه.. إنها ليست آلة تعزف عليها.. لكنها انتهت لتصبح الآلة التي تعرف وترى وتسمع.

الموسيقى هي أول الحواس.. وأول اللغة. يسمع الوليد إيقاعها فيتحرك وتهتز قبل أن يعرف شيئاً من لغة الكلام.

منها يتعلم النطق ويلثغ أول الحروف.

الموسيقى هي الجسد.

إنها نظام متكامل.

ولغة الجسد هي أو اللغة.

عندما تأتي الموسيقى.. يلثغ جسد الرضيع.. ثم ينتظم إيقاعه على إيقاعها.

الطفل يتعلم الرقص قبل أن يقرأ ما يقوله جسده ويحوله إلى كلام.

على إيقاع الموسيقى تعلم الطفل الكلام.. أو الاستجابة للكلام. تاتا.. دادا.. أبا.. أما.. بابا.. ماما.

ثم : - هم هم.

فيفتح فمه يهم بتناول الطعام.

ثم فجأة.. ترانا نسعى لجعل الطفل ينسى الموسيقى بتلقينه كل الكلام.. وقد ننهره عندما يسمع جسده يهتز للغة الموسيقى ويستجيب لإيقاعها.

قيل إن القاص يوسف أدونيس -رحمه الله- ذهب بنفسه إلى السويد والتقى بمن التقى من أعضاء لجنة نوبل في محاولة ((الترويج)) لنفسه سعياً وراء ترشيح يضمن حصوله على الجائزة.. وعندما حصل عليها الروائى العظيم نجيب محفوظ قامت قيامته ولم تقعد.. من هنا جاء رد نجيب محفوظ عليه حين قال للصحافة:

حصلت على الجائزة وأنا نايم في البيت.

وقيل الكثير عن سعي أدونيس وغيره من أدباء العرب والعالم.. وقيل مغامرات المراهنين على اسم هذا المرشح أو ذاك.. لأن الإغراء لم يعد في مكانتها فقط.

ثم ذهبت لفنان وموسيقي عبقري تصدر الأغنية الشعبية وجدد هويتها ورسالتها ومضمونها بطريقة إبداعية فذة.

غنى لأفلام تخرج بعد مشاهدتها ولا يبقى فيك إلا صدى كلماته.

وبحيثيات بسيطة قالت ((نوبل)) كلمتها لتريح وتستريح وتفتح أفقاً جديداً للجائزة.

وها هو بوب ديلان.. وها هي ((في مهب الريح)):

كم من الطرقات ينبغي للإنسان أن يقطعها

قبل أن ندعوه رجلاً؟

كم من البحار ينبغى للحمامة البيضاء أن تطير فوقها

قبل أن تنام في الرمال؟

وكم من القنابل ينبغي أن تقذفها المدافع

قبل أن تُحظرَ إلى الأبد؟

...

الجواب، يا صديقي، في مهب الريح

الجواب في مهب الريح

...

كم من السنين ستبقى الجبال

قبل أن تذوب في البحار؟

كم من السنين يعيش بعض الناس

قبل أن ينالوا حريتهم؟

وكم من المرات يمكن للإنسان

أن يدير رأسه.. ويتظاهر بالعمى؟

...

الجواب، يا صديقي، في مهب الريح

الجواب في مهب الريح

...

كم مرة ينبغى للمرء أن يرفع عينيه

قبل أن يبصر السماء؟

كم من الآذان ينبغى أن يملكها المرء

قبل أن يسمع بكاء الآخرين؟

وكم من الوفيات يجب أن تحدث

قبل أن ندرك أن الكثيرين.. الكثيرين.. قد ماتوا؟

...

الجواب، يا صديقي، في مهب الريح

الجواب.. في مهب الريح.

 

 

www.al-jazirah.com/2016/20161212/ln31.htm