وكف «النغري» عن الغناء

صادق الشعلان 

 

تُصنف مرحلة السبعينيات بالمرحلة المهمة والمفصلية في الشأن الثقافي السعودي، عدّها مثقفون ومهتمون بمرحلة النضج الكامل خاصةً لفن القصة والشعر، القصة التي برع فيها الفقيد عبدالله باخشوين المولود في مدينة الطائف عام 1952 وأخلص لها ضمن كوكبة من الكتاب كسليمان سندي ومحمد علوان وعبدالله السالمي وقد قدموها بطريقة جعلتها محط أنظار النقد والدراسة ، و لم يقتصر جهد الفقيد على الفن السابق الذكر بل كان روائياً وإعلامياً و كاتب مقالة في العديد من الصحف المحلية والعربية.

ناهز عمر عبدالله بن حكم بن حسن باخشوين الإبداعي والإنتاجي أربعين عاماً ، فحين أصدر مجموعته الأولى الحفلة عام1985 لفت الأنظار بلغته الرشيقة المتميزة ، ولا نغفل زاويته (ضد القصة) والتي كانت تُنشر في الملحق الثقافي في صحيفة الرياض وتتمحور حول واقع الفن القصصي السعودي ، وزاوية أخرى في صحيفة الجزيرة عنوانها (أرشيف كاتب) كانت منبراً يتحدث فيه حيال مواضيع عدة ، وحول أعماله القصصية صدرت بالتتابع (الحفلة) عام 1985 و(النغري)1998 ثم (لاشأن لي بي) 2021 التي صدرت عن نادي جازان الأدبي والدار العربية للعلوم ناشرون ، و كتب مقدمتها عمر طاهر زيلع ، ومُنح عليها جائزة وزارة الثقافة والإعلام للكتاب لعام 2013 والتي عادة ما تُمنح لعشرة كتب فائزة خلال إفتتاح معرض الرياض الدولي للكتاب، ورواية وحيدة صدرت عام 2013 اسماها سلطان سلطانة ،و قد أطلق عليه الناقد فايز أبا لقب الحكواتي وتحديداً عند صدور مجموعته النغري ، ليس هذا وحسب بل كان من أوائل الملتحقين والمشتغلين بالعمل الصحفي وفي سن مبكرة.

سارد ناجح أضحت أعماله القصصية في متناول النقاد نظير ما اتصفت به من حبكة سواء على مستوى اللغة أو السرد أو الفكرة بصفة عامة، وقد قدمت الدكتورة نورة القحطاني قراءةً حول قصص الفقيد عبدالله باخشوين تناولت خلالها ملمح الإغتراب في تجربة الراحل، جاء فيها “إنّ ما يلفت النظر في قصص عبدالله باخشوين هو سيطرة فكرة الإغتراب على شخصياته، كما وظف الكاتب تقنيات سردية متنوعة نجحت في تجسيد مظاهر الاغتراب المختلفة، وكشفت عن قدرة فنية لدى الكاتب في توظيف تقنيات القص الحديث بما يتلاءم مع واقع الشخصيات المغتربة، وبأسلوب أبرز وجوه الإغتراب بصورة واضحة ومعبرة، كل ذلك يحمل بدوره حقيقة إغتراب الكاتب في واقعه الذي عاني فيه مع كتاب جيله من غربة سببتها التحولات الإجتماعية والثقافية التي طرأت على المجتمع في مرحلة التحديث، وتحولت إلى خطاب إغترابي في عالم الكتابة القصصية عنده وعند غيره من (جيل الغرباء) كما وصفهم منصور الحازمي”.

تساؤل واستغراب

عُرف عنه وكما يقول أنه لا يقرأ شيئاً مما كُتب عن إنتاجه ، إلا أن هذا لا يمنع أن لوجوده رحمه الله نكهته وتفرده وأمر متفق عليه، والملفت المستغرب في ذات الوقت خلو موسوعة البحث من قاعدة بيانات تعريفية به إسوة بغيره ممن تمتليء بهم ملفات ايكيبديا ، وهو ما عبر عنه الصحفي علي فايع إذ يقول “مات عبدالله باخشوين وكثُر الحديث عن أعماله الإبداعية ، فله في مكتبتي الخاصة عملان من مجموعة قصصية ورواية ، إلا أنني لم أجد عملاً واحدا تم رفعه في هذا الفضاء الرحب وإتاحته للقاريء” مُبديا تساؤله “هل كان عبدالله باخشوين المبدع غائباً عن القراء أم مُغيباً ؟”

والشيء بالشيء يُذكر حين عنون الشاعر هاشم الجحدلي كي لا يرحلون بلا ذاكرة قال “رحيل القاص الفذ عبدالله باخشوين جعلني أنتبه إلى أن أكثر المبدعين الرواد والتأسيسين لم يكتبوا ذكرياتهم ومذكراتهم وصارت مصائر حياتهم ليست سوى مادة عابرة او موسمية بالرغم من حضورهم الكبير في المشهد الثقافي حتى بعد رحيلهم ، وعبدالله باخشوين بالذات سيرته الحياتية غير الإبداعية قصة تروى منذ يفاعته في الطائف و رحلته إلى جدة ورفقته مع الجيل الذهبي للقصة القصيرة، وعمله في اقرأ وتجربته في العراق وعلاقته بعبد الرحمن منيف هناك ، ثم عودته بائعاً لأشرطة الفيديو في أبو عريش ،وإصدار مجموعته الحفلة عن نادي جازان الأدبي ثم عودته إلى جدة وكتابته في اليمامة إبان غزو الكويت ثم في عكاظ ‏والرياض ثم أعماله الثلاثة المتتالية وعلاقته بعائلته وأصدقائه ومحبته مبكراً للسينما والكتابة عنها” فصحيح إن جزء من أعماله نالها نصيب القراءة والدراسة ولكن ما تبقى من حياته وحياة غيره من المبدعين لم يكن هناك المبادر من فردٍ كان أو جهة او مؤسسة ثقافية كتبت عن حياته ، الأمر الذي يثير السؤال والإستغراب ، و نتذكر في هذا السياق ما كتبه القاص أحمد بوقري حين يقول “عندما نذكر تجربة القصة القصيرة في السعودية يذكر عبدالله باخشوين صاحب المجموعة القصصية الشهيرة الحفلة كواحد من كتابها المتميزين وقاصاً مجيداً،عرفته في نهاية السبعينات عندما كان يعمل في صحيفة البلاد وبصحبته الصحفي الراحل محمد عبدالواحد ويتابع بوقري قائلا “كان بسيطاً ومتواضعاً ومأخوذاً بالقصة التونسية” وإذا يتذكر “وضعت بين يديه قصة قصيرة من بداياتي، أحببته من يومها وتمتعت بقصصه في الحفلة والنغري وهي مهداة لي بخط يده”

حسن السيرة غادرعبدالله باخشوين مُحملاً بعبق الذِّكر الحسن وموشحاً بأريج التذكر لرجل كان يبهر الحضور بإبداعه وانسانيته ، وبموت القاص عبدالله باخشوين تفقد الحركة الثقافية أحد أهم روادها ممن عاش يحكي ويقص ويروي ويكتب وترك للأجيال إرثاً عظيماً. سبق وأجرى عملية جراحية، وتعرض مؤخراً لجلطة دماغية لم تُمهله كثيراً فسلّمته يد القَدر ليُعلن عن وفاته يوم السبت الموافق 27/3/2021 رحم الله الحكواتي عبدالله باخشوين.

 

http://www.alyamamahonline.com/ItemDetails.aspx?articleId=6891